السيد الطباطبائي
55
تفسير الميزان
مخالفة الحق والتكذيب بآيات الله تعالى هو على حاله مع فرض ردهم إلى الدنيا بعد البعث ، فحكمه حكمه من غير فرق . وقوله : ( وإنهم لكاذبون ) أي في قولهم : ( يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ) الخ ، والتمني وإن كان إنشاء لا يقع فيه الصدق والكذب إلا أنهم لما قالوا : ( نرد ولا نكذب ، أي ردنا الله إلى الدنيا ولو ردنا لم نكذب ، ولم يقولوا : ( نعود ولا نكذب ، كان كلامهم مضمنا للمسألة والوعد أعني مسألة الرد ووعد الايمان والعمل الصالح كما صرح بذلك في قوله : ( ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون ) ( السجدة : 12 ) وقوله : ( وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل ) ( الفاطر : 37 ) . وبالجملة قولهم : ( يا ليتنا نرد ولا نكذب ) الخ ، في معنى قولهم ربنا ردنا إلى الدنيا لا نكذب بآياتك ونكن من المؤمنين ، وبهذا الاعتبار يحتمل الصدق والكذب ، ويصح عدهم كاذبين . وربما وجه نسبة الكذب إليهم في تمنيهم بأن المراد كذب الامل والتمني وهو عدم تحققه خارجا كما يقال : كذبك أملك ، لمن تمنى ما لا يدرك . وربما قيل : إن المراد كذبهم في سائر ما يخبرون به عن أنفسهم من إصابة الواقع واعتقاد الحق ، هو كما ترى . قوله تعالى : ( وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا ) إلى آخر الآيتين . ذكر لانكارهم الصريح للحشر وما يستتبعه يوم القيامة من الاشهاد وأخذ الاعتراف بما أنكروه ، والوثنية كانت تنكر المعاد كما حكى الله عنهم ذلك في كلامه غير مرة ، وقولهم بشفاعة الشركاء إنما كان في الأمور الدنيوية من جلب المنافع إليهم ودفع المضار والمخاوف عنهم . فقوله : ( وقالوا ان هي ) الخ ، حكاية لانكارهم أي ما الحياة إلا حياتنا الدنيا لا حياة بعدها ، وما نحن بمبعوثين بعد الممات ، وقوله : ( ولو ترى إذ وقفوا ) كالجواب وهو بيان ما يستتبعه قولهم : ان هي إلا ، ( الخ ) للنبي صلى الله عليه وآله في صورة التمني لمكان قوله :